صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
238
تفسير القرآن الكريم
الأليم هو بعينه موجود معهم في الدنيا يعذب باطنهم بنيرانه ، وذلك هو الاعتقادات الفاسدة والأخلاق الردية التي كلها نيرانات ملتهبة وحرقات مشتعلة يؤذي صاحبها ويوجب العداوة والبغضاء له مع أبناء الدنيا الذين سيصيرون من أصحاب الجحيم ، والخصومة معهم في مقاصدهم ومآربهم الخسيسة الدنياوية ، وهذه الجهالات وذمائم الملكات كما يوجب التعذب بها لصاحبها في الأولى ، فهي بعينها التي توجب التعذب بها لهم في الأخرى على وجه أشد وأبقى ، لقوله تعالى : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى [ 20 / 127 ] فإن أمور البدن وأشغال الدنيا هاهنا يلهي ويغفل الروح عن دركها كما هي ، بخلاف النشأة الثانية ، فإن البدن الأخروي لا يلهي الروح عن إدراك الآلام إن كانت شقيّة - كما لا يلهيها عن إدراك اللذات الأخروية إن كانت سعيدة . فأهل النار إذا دخلوها تسلط النار على ظواهر هم وبواطنهم لأن ظواهرهم عين بواطنهم - كما حققناه في بعض كتبنا عند إثباتنا المعاد الجسماني بالاستبصار العقلي أيضا ، كما هو ثابت عند الجمهور من المليين والحكماء الإسلاميين بالنصّ النقلي - وليس لحقيقة العذاب تسلط هاهنا على ظواهر الأشقياء ، لكن ظواهرهم مبائنة لبواطنهم - إلا نحوا ضعيفا لم يتنبهوا عليه لخدر الطبيعة وسكر البدن وجهل المادة . فإذا تسلط عذاب النار على ظاهرهم وباطنهم وأحاط بهم سرادقهم ملكهم الجزع والاضطراب ، فيكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ، متخاصمين متقاولين ، كما نطق به كلام اللّه في مواضع متعددة مثل قوله تعالى : كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [ 7 / 38 ] وقوله تعالى : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ 38 / 64 ] . وكما أن هيئات أمراض الجهل وغيره من الصفات إذا كانت راسخة مقرونة مع العناد والاستكبار لا يمكن أن يزول أصلا ، فكذلك الأشقياء المردودون من الكفرة والمتجبرين لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ، فكلما طلبوا أن يخفف عنهم العذاب وأن يقضى عليهم واستغاثوا أن يرجعوا إلى الدنيا فلم يجابوا إلى طلباتهم ، كما حكى اللّه تعالى عن اقتراحهم واستغاثتهم بقوله تعالى : يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ وعن عدم اجابتهم بل منعهم عن السؤال وطردهم عن الاقتراح بمثل قوله